الثانوية العامة في مصر... موسم "الانتحاب العام" على أبواب المستقبل الجامعي

13:25 2019-06-15

هواكم: قدس الأقداس وملكة الدارما (وتحديدا الشق التراجيدي). سلطانة أوائل الصيف ومرثية نهاياته. "بعبع" الصغار وكابوس الكبار. سيّدة الحركات ومعلمة الأجيال. "مُولِد" الإفتاءات وموسم الإشاعات وهوجة الإغماءات وموضة المهدئات. أجيال تذهب وأخرى تجيء وثالثة توشك على المغيب، لكنها وحدها باقية صامدة جاثمة على قلوب وجيوب المصريين، شاءوا أو أبوا أو حتى "نفدوا بجلدهم" إلى أحضان الـ"دبلوما" أو الـ"آبيتور" أو الـ"باك" أو الـ"آي جي"! الخارج منها يتصور أنه مولود والقادم إليها منكوب.

وكأن حرارة الجو القائظة، ورطوبة الأجواء الخانقة لا تكفيان لشدّ أعصاب "شَعْب" الثانوية العامة، البالغ تعداده نحو 621 ألف "منكوب" و"منكوبة"، فقد تكالبت قوى أولياء الأمور الطاغية وثقافة عقود من الحفظ الأصم وربط مصير ابن آدم وابنته بما يحرزه في الثانوية العامة، وجهود الإعلام في البحث عن "الترند" وإشعال مجموعات "الفرندز" (الأصدقاء) في تأجيج أجواء الامتحانات.

"مُولِد" صاخب

امتحانات الثانوية العامة في مصر ليست مجرد وسيلة للحصول على شهادة إتمام الدراسة الثانوية، أو طريقة لتقييم مستوى الطلاب وتحديد مواضع تميزهم لمن يودّ الالتحاق بالكليات الجامعية، أو حتى رؤية لتعليم الأجيال وتثقيف الأبناء، لكنها "مُولِد" صاخب وحرب ضروس، وفي أقوال أخرى "سبوبة" وموسم رزق ووسيلة لأكل العيش، وفي أقوال أخرى "الشهد".

ويشهد نحو 621 ألف بيت مصري هذه الآونة التجربة التي يتحتم على أغلب من اختاروا أن يلتحقوا بالتعليم أن يمروا بها، حلوها بمُرّها. وعلى مدار عقود طويلة، والجميع ينظر إلى الثانوية العامة باعتبارها سَنَة مهمة ومرحلة حيوية في حياة الأبناء والبنات. لكن المنظومة تطورت وتوحشت وتوغلت حتى لم يعد ينقص الصورة الذهنية للثانوية العامة سوى "مقشة" الساحرة الشريرة، أو جمجمة علامة خطر الموت.

طلاب وطالبات الثانوية العامة يجدون أنفسهم مضطرين إلى الانسياق وراء الجو العام المجيش والمهيئ للرعب والذعر 

الموت غيّب طالبة ثانوية عامة قبل أيام قليلة بسبب جرعة زائدة من المهدئات. أروى (17 عاماً)، ابنة محافظة الشرقية، لم تجد سوى الأقراص المهدئة وسيلة لتخفف من روعها وتهدئ أعصابها لتتمكن من أداء الامتحان المثير للرعب. لكن الجرعة كانت زائدة، فتوفيت قبل أن تكمل الثانوية العامة.

وفيات الثانوية العامة لا تزال حوادث نادرة، ولله الحمد، وهي تتراوح بين جرعات مهدئات زائدة أو حالات انتحار بسبب الخوف أو الإحباط، وكليهما مثير للفزع مما آلت إليه شهادة مدرسية.

الرصيف ملجأ

الشهادة المدرسية الملقبة بـ"الثانوية العامة" دفعت عشرات الأمهات لافتراش الرصيف المواجه لمدرسة بناتهن في حي السيدة زينب في القاهرة حيث يمتحن اللغة الإنجليزية، وذلك في درجة حرارة بلغت في الظل 40 درجة مئوية والرطوبة 30 في المئة وسرعة الرياح لا تتعدى عشرة كيلومترات في الساعة. إحداهن كانت ممسكة بالمصحف تقرأ سورة "يس" والدموع تنهمر من عينيها. والثانية سندت رأسها إلى جدار "الكشك" المجاور وهي ترفع كفيها إلى السماء كل بضع دقائق تتضرع لله، سبحانه وتعالى، ليراعي "ميرنا" ويجبر بخاطرها. الثالثة أخذت تقرأ "دعاء الامتحان" والباقيات يرددن خلفها "اللهم لا سهل إلا ما جعلته سهلاً، وإنك إن شئت جعلت الحزن سهلاً".

الحزن المسيطر على أجواء الأمهات المنتظرات على الرصيف لا ينافسه في القوة أو يضاهيه في الشدة إلا بؤس جمهور الآباء المرابط على الرصيف الآخر. تقول إحدى الأمهات شارحة ملابسات الحزن "ابنتي ذاكرت طيلة العام. لم تذهب إلى سينما، بل وامتنعت عن مشاهدة التلفزيون في نصف العام الدراسي الثاني. حتى نافذة غرفتها لم تفتحها منذ أول رمضان. اليوم قالت لي إنها لا تتذكر كلمة مما ذاكرت". ودخلت السيدة في نوبة بكاء عنيفة ما دعا إلى موجة "ولولة" من رفيقاتها على الرصيف.

رصيف الآباء تهيمن عليه "نعرة" ذكورية، حيث دغدغة "عين أمها" وخلخلة "قلب أمك" وحلحلة "يا كبدي" لا تفلّ القلوب القوية والعقول الصلبة. إلا أن الجيوب الخاوية وسياسة حرق الراتب أولاً بأول التي داهمتهم منذ صيف العام الماضي حاضرة بقوة. وما هي إلا ثوان، حتى تحولت أمارات "البأس" على الوجوه إلى علامات "بؤس" واضحة، حيث أجاب أحدهم على سؤال "ما أخبار الثانوية العامة؟" مطلقاً العنان لمعاناة عام مضى "فلّسنا وتعبنا وزهقنا. مصاريف مدرسة ودفعنا، جو مهيأ للمذاكرة وأعددنا، ربط أحزمة على البطون وأحكمنا، وليس خفياً على أحد أن بعضنا استدان لسداد ثمن الدروس الخصوصية طيلة العام. هي سنة سوداء بجميع المقاييس".

بشائر الخير

لكن مقاييس "السواد" هنا هي بشائر الخير هناك، وما أنهك 621 ألف بيت مصري هنا على مدار عام كامل رفع من شأن الآلاف من البيوت الأخرى التي تعتاش على جيوب ذوي الثانوية العامة. المشهد المهيب أمام أحد أشهر مراكز الدروس الخصوصية في حي مدينة نصر، حيث بين كل مركز وآخر مركز ثالث، يشير إلى رواج اقتصادي كبير وإقبال طلابي رهيب. إنها ليلة المراجعة النهائية. جحافل لا أولّ لها أو آخر. "ملازم" لا تظهر إلا في المواسم. وسيارات الأهل تنتظر لالتقاط الخارجين من الباب والطيران إلى البيت لالتهام ما تبقى من الكتاب، أو تنزيل الأبناء ومعهم "المعلوم" لزوم الاستماع لما غلا ثمنه وثقلت قيمته من مراجعة ليلة الامتحان.

وإذا كان المرء يُكرَم أو يُهان في اليوم التالي لليلة الامتحان، فإن جيوب معلمي مراكز الدروس الخصوصية (السناتر) وأقرانهم ممن يجولون على بيوت الطلاب تنتعش وتنتفخ طيلة العام، لا سيما في الأيام "المباركة" في مثل هذا الوقت من كل عام. وبحسب بحث الدخل والإنفاق والاستهلاك الذي أجراه الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء (2016)، بلغت نسبة الإنفاق السنوي للأسرة المصرية على الدروس الخصوصية ومجموعات التقوية نحو 40% من دخلها!

لكن ما لم يذكره البحث، وينبغي أن يضاف إلى مستهلكات الدروس الخصوصية، هو القيمة العلاجية والأحمال النفسية والضغوط العصبية التي يحملها طلاب وطالبات الثانوية العامة.

ما أن اجتازت ميار (18 عاماً) بوابة المدرسة عقب انتهائها من امتحان اللغة الإنجليزية حتى أخذت تصرخ وتندب حظها وتلعن "الترجمة" أباً عن جد. ولأن ميار، وغيرها الملايين من طلاب وطالبات الثانوية العامة، نشأوا وتربوا وترعرعوا على أسلوب الحفظ، فإن الكلمات التي حفظتها "ميار" عن ظهر قلب حتى تسعفها في سؤال الترجمة لم ترد في الامتحان. وكانت النتيجة إنها لم تفهم كلمة من القطعة المراد ترجمتها.

بكاء "ميار" وغيرها على أبواب امتحانات الثانوية العامة معدٍ. فمن خرجت من البوابة ولم تكن تبكي، تجد نفسها مضطرة إلى المعاضدة النفسية والمساندة المعنوية، وما بدأ كبكاء فردي يتحول على أبواب لجان الامتحان إلى انتحاب جماعي. تسأل إحدى المنتحبات عن سبب النحيب فتردّ بكل براءة "مش عارفة". تتأكد من أنها فهمت السؤال فتسأل "كيف كان الامتحان؟" فتردّ بكل أريحية "سهل جداً الحمد لله"!

"الشهد والدموع"

مسلسل "الشهد والدموع" الدائرة رحاه على أبواب لجان الثانوية العامة هذه الأيام لا يأتي من فراغ. وكما أن المسلسل الشهير الذي يحمل هذا الاسم يدور حول الظلم وما قد يؤدي إليه من بغضاء وتنافر بين الناس وميل للانتقام لدى من وقع عليهم الظلم، فإن منظومة الثانوية العامة التي أصبحت أكبر بكثير مما تعنيه، وأخطر بمراحل مما تحتمل، وأسخف بكثير مما يتصوره الغارقون حتى آذانهم في هوجة الامتحانات.

أستاذة الطب النفسي الدكتورة منال علي تقول إن "الهالة المفتعلة حول الثانوية العامة من قبل المنتفعين من دروسها الخصوصية واستمرار آفة (السناتر)، بالإضافة إلى عدوى الهلع التي ينقلها الأهل إلى أبنائهم وبناتهم، ثم العامل الأهم ألا وهو التمسك بميراث ثقافي وتعليمي فاشل وفاسد وظالم ينصبّ الثانوية العامة في مكانة المتحكم الأول والأخير في مستقبل الشباب، جميعها أسباب تسهم في رسم اللوحة القبيحة التي نشهدها كل عام".

بيئة حاضنة للرعب

ومن وجهة نظر نفسية، فإن طلاب وطالبات الثانوية العامة يجدون أنفسهم مضطرين إلى الانسياق وراء الجو العام المجيش والمهيئ للرعب والذعر، فالبيئة فعلياً حاضنة للرعب "لدرجة أن الطالب أو الطالبة الذي لا يجد نفسه مذعوراً يلومه أهله على عدم الذعر، بل ويتهمونه بالفشل وينبئونه بضياع مستقبله، وتبدد آمالهم وأحلامهم التي عقدوها عليه".

وتشير "علي" إلى حالات تستقبلها في عيادتها لضحايا رعب الثانوية العامة، قائلة "في أغلب الأحوال يكون الأهل السبب في تعرض أبنائهم وبناتهم للمشكلات والأمراض والأزمات النفسية في هذه السنة الدراسية. وعلى الرغم من أن الأهل أنفسهم ضحايا للفكرة المغلوطة عن الثانوية العامة، لأنهم أنفسهم وقعوا ضحية لها، إلا أنه يجب كسر الحلقة المفرغة حماية للصغار، وهذا لن يحدث إلا بتغيير الثقافة التعليمية ومنظومة القبول في الجامعات. وإلى أن يحدث ذلك، فعلى الأهل تخفيف الضغوط على أبنائهم وبناتهم خلال هذا العام ومنع أنفسهم من المبالغة في الاهتمام أو إبداء القلق، بما في ذلك ظاهرة انتظار الأمهات على أرصفة اللجان لحين انتهاء الامتحان".

وحين تنتهي امتحانات الثانوية العامة هذا العام، سيتنفس البعض الصعداء انتظاراً للنتيجة لتبدأ عقب إعلانها متابعة حالات الانتحار لمن أخفقوا، والاحتفال لمن أحرزوا الدرجات، والإحباط لمن نجح لكن دون تحقيق المراد... وهلمّ جرا.

"غروبات الماميز"

وبينما الامتحانات تُعقد، والطلاب يقدحون زناد فكرهم، والأهل يعتصرون ما في جيوبهم، تدور رحى "غروبات الماميز" (مجموعات الأمهات)، على فيسبوك و"تويتر". منهن من تطالب بإعادة توزيع الدرجات، أو تدعو إلى تظاهرة على أبواب وزارة التربية والتعليم لتأخر أوراق الامتحانات، أو تدلو بدلوها في شأن التصحيح وإعطاء التعليمات للمراقبين والمصححين، أو تسهم بكل ما أوتيت من قوة في "لايك" و"شير" لما يتيسر من إشاعات وما يتاح من معلومات، سواء كان مصدرَها بيانٌ رسمي أو زميلة من الزميلات على "غروبات الماميز".

المؤكد أن الثانوية العامة باتت منظومة قائمة بذاتها. مٌرّها يفوق حلوها، ورعبها يتغلّب على كل ما حولها. الخارج منها مولود حتى وإن كان من الجامعة مرفوضا أو بمعايير المجتمع "رقص على السلالم"، فلا طال كلية من كليات القمة أو تمكن من مصروفات الجامعات الخاصة، أما الداخل إليها فيستشعر الرعب ويستنفر الطاقة ويتمنى لو أن أهله مدوا له يد العون أو رفعوا عن كاهله عبء الخوف وألحقوه بشهادة أجنبية تقيه شرور الثانوية وتعفيه من ضغوط الكابوس الذي يأبى أن ينجلي.

تقول سلمى مصطفى (18 عاماً) (طالبة دبلوما أميركية ولا تمتحن في الثانوية العامة سوى اللغة العربية والدين)، وهي تتنفس الصعداء "رغم أن المطلوب فقط هو النجاح في هذين الامتحانين، إلا أن أجواء الرعب والقلق التي رأيتها في لجنة الثانوية العامة جعلتني أحمد الله كثيراً على نجاتي من هذه المأساة".

المصدر: اندبندنت عربية

التعليقات

جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا نتحمل مسؤولية الأراء الورادة بهذه التعليقات

لا يوجد تعليقات في الوقت الحالي!

أضف تعليقك

جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا نتحمل مسؤولية الأراء الورادة بهذه التعليقات