عزيزة وأخريات… تزوجن وتطلقن وهن طفلات

تزوجت عزيزة مرتين وهي دون سن الـ 18

تزوجت عزيزة مرتين وهي دون سن الـ 18

16:57 2019-05-25

تشبه قصة عزيزة قصص طفلاتٍ كثيرات كنّ ضحايا تزويجهنّ في سنٍ مبكرة. تجارب موجعة تتحدث عنها بأسى من اغتيلت طفولتها وخسرت براءتها، فتتمنى لو يعود الزمن بها ويرسم لها أياماً أجمل تعيشها كأي طفلة.

بحزن يسيطر على ملامحها، تتحدّث عزيزة، التي تعيش في إحدى مخيمات محافظة البقاع اللبنانية، وبين ذراعيها طفلها البالغ من العمر سنة ونصف السنة. هي اليوم في سن 18 وقد طلّقت مرتين. ففي سن الـ 13، تزوجت أحد أقاربها. لم تجد حينها من يوجهها. تتذكر بغصة "شجعني والدي على الزواج من ذاك الشخص لأنه من العائلة. كان طيباً معي في البداية، لكن حماتي سعت إلى التخلص مني، فكانت ترغمني على القيام بأعمال تفوق طاقتي. كانت حياتي بشعة جداً إلى أن أتى اليوم الذي طلّقني فيه من دون سابق إنذار. دام زواجنا سنة واحدة".

تحمد عزيزة الله لأنها أجهضت عندما كانت حاملاً بتوأمين أثناء قيامها بأعمال شاقة. أصبحت الزوجة القاصر طفلة مطلقةً ودخلت دوامة نتيجة نظرة المجتمع القاسية إلى المطلّقة. فتحكي بأسى "أصبحت حياتي لا تطاق نتيجة نظرة الناس وكلامهم القاسي. أهملت نفسي ومررت بحالة اكتئاب شديدة. كنت أرى فتياتٍ من سني يلعبن معاً فيما كنت مسجونةً ومنبوذة لأني مطلقة".

وكان الزواج مجدداً هو الحل الوحيد أمامها، للهرب من الناس ولتجد "سنداً" لها. في هذه المرة، لم يدم الزواج إلا خمسة أشهر تعرضت خلالها للتعنيف. "كان متزوجاً ولديه خمسة أطفال، فأرادني أن أعتني بهم وبالمنزل. كان يعنّفني ويؤذيني وطلقني فجأة. كنت حاملاً فولدت طفلي بمساعدة أهلي، وحتى اليوم لم يرَ ابنه أكثر من مرتين".

بعد كل هذه الصعاب التي مرّت بها، اتخذت عزيزة قراراً بالتفرغ لتربية طفلها، مشددة على أهمية تعليمه علّه لا يعاني مثلها.

الطلاق خلاص أم مصيبة؟

كثيراتٌ مثل عزيزة يتعرضنَ للتزويج القسريّ مع ما يرافقه من عنفٍ وظلم ومسؤوليات. تشير الاختصاصية في المعالجة النفسية جيزيل نادر إلى أنه "في معظم الأحيان، لا تتابع الفتاة تعليمها وتقارن نفسها برفيقاتها المتعلمات وتفكر بطفولتها التي تخسرها. وتعيش العلاقة الجنسية كاغتصاب وتكون حياتها الجنسية فاشلةً من بدايتها. كما أن الحمل والإنجاب مسؤوليتان تتخطّيان سنها، فتتأذى ومعها يتأذى أطفالها".

أما الطلاق فقد يشكّل خلاصاً لها إذا كانت تتعرّض للتعنيف، شرط إحاطتها من قبل العائلة. أما إذا كان الطلاق من دون سبب، فتكون وطأته أشدّ وتجد نفسها من دون سند، خصوصاً بسبب نظرة المجتمع القاسية إليها كأنها المخطئة. كما تزيد احتمالات تعرّضها للاستغلال وخطر الاغتصاب والتحرّش.

وتشير نادر إلى الأعراض الناتجة من هذه الحالة كالاكتئاب والقلق المرضيّ والإدمان والتدخين بسبب الصدمة التي تلقتها. تبرز هنا أهمية دعم الأهل والجمعيات المعنية، إضافة إلى أهمية التعليم والتدريب المهني لتعتمد على نفسها ولا تبحث عمن يساندها. كما تتحسن بذلك علاقتها مع أطفالها، خصوصاً أنها طفلة فكيف لها أن تربي أطفالاً وتتحمل مسؤوليتهم من دون دعم؟

"اليونيسف" في خطوات فاعلة

تتوحّد الجهود اليوم لمواجهة زواج القاصرات وتداعياته مع ارتفاع نسبته بين النازحين السوريين وبين اللبنانيين أيضاً. فوفق تقديرات المفوضية السامية لشؤون اللاجئين حوالى 23 في المئة من النازحات السوريات في لبنان تزوّجنَ قبل سن 18. وورد في دراسة إحصائية صادرة عن معهد العلوم السياسية في جامعة القديس يوسف في لبنان، للعام 2015، أن 13 في المئة من المتزوّجات في لبنان تزوجنَ وهنّ قاصرات.

وزواج الأطفال من أهم المسائل التي تُعنى بها "اليونيسف" في لبنان، لأنه يشكل انتهاكاً لحقوق الطفل وخرقاً للإعلان العالمي لحقوق الطفل. ووفق المسؤولة في برنامج حماية الطفل في "اليونيسف" زمن علي حسن، فإن الأدوار الجندرية التي يفرضها المجتمع تُلقي بأعبائها على الفتاة أكثرَ، فيُعتبر الزواج والإنجاب والاهتمام بالمنزل من أدوارها الطبيعية في المجتمع.

وتضيف "تبيّن في دراسة لقياس المعرفة والسلوك أجريت في العام 2017، أن 73 في المئة من الأفراد السوريين واللبنانيين والفلسطينيين يعتبرون زواج الأطفال ممارسة خاطئة مسيئة إلى الطفل. كما أظهرت دراسة أخرى في العام 2018 تزويج 29 في المئة من الطفلات السوريات، مقابل 11 في المئة من الطفلات اللبنانيات".

في سبيل مواجهة زواج الأطفال، وضعت "اليونيسف" خطة عمل على ثلاثة مستويات: تغيير السياسات بما يتناسب مع مصلحة الطفل، وتقديم خدمات نفسية واجتماعية للفتيات اللواتي هنّ عرضة أو اللواتي تعرضنَ للتزويج المبكر والعمل على تعزيز المهارات الحياتية لديهنّ، والعمل على الوقاية وتغيير السلوك في جلسات توعية ونشاطات لكسر الصورة النمطية السائدة.

"كفى" تواجه

في مواجهة تزويج الأطفال وإجحاف القوانين والمجتمع بحقّ الطفل، تعمل منظمة "كفى" على توجيه الأطفال من خلال أنشطة ترفيهية توعوية لحمايتهم. تتحدث المنسقة الإعلامية في "كفى" سلوى الحمصي عن صعوبة التأثير في الأهل. أما الأطفال فيسهل تغيير سلوكياتهم وذهنيتهم. وتوضح "أوقفنا حالات عديدة من الزواج المبكر بفضل أشخاص ندرّبهم في المخيمات والبلدات. ويعتبر ذلك إنجازاً لنا لتعاملنا مع شريحة اجتماعية لا تزال تستند إلى التقاليد الموروثة فنعمل على تفكيكها وتوعيتها على المخاطر التي ستواجه الطفلة. علماً أن الزواج المبكر موجود أكثرَ في مخيمات النازحين، ليخفّف الأهل الأعباء عن أنفسهم أو تمسكاً بالتقاليد الموروثة، أو لأن تزويج الفتاة ضروريّ لتجنّب العنوسة".

وتشير الحمصي إلى أن "زواج القاصر يحرمها من حقّها في التعليم، وبالتالي يؤثر في تطورها الشخصي والفكري ومشاركتها السليمة في المجتمع. كما تُحرم من عائلتها التي هي شبكة دعم لها، وتجد نفسها معزولة اجتماعياً وتعجز عن تكوين علاقات سليمة. وتكون أكثر عرضة للعنف الأسريّ والاعتداءات الجنسية عندما تدخل إلى منزل جديدٍ فلا تجد من يحميها، خصوصاً أن الزوج قد لا يكون ناضحاً. وبسبب صغر سنها، تعجز عن النقاش الناضج فيزيد احتمال تعرضّها للعنف. أما الطلاق فيحصل غالباً لأنه ما من معايير مسؤولة منطقية لزواجها".

وتوضح الحمصي "لدى حصول الطلاق يدعو الأهل الفتاة إلى التحمّل مهما كلفها ذلك. وتزيد مخاوفهم من نظرة المجتمع إلى المطلّقة الأكثر عرضةً للتحرش ويسعون إلى تزويجها مجدداً بهدف السترة".

تحرص "كفى "على التركيز على أهمية التعليم كحقّ من حقوق الطفل ليحقّق نمواً فكرياً واجتماعياً سليماً، والحد من المشكلات المترتبة على الأمية وليكون للطفل وجودٌ في المجتمع.

المساعي كثيرة للحد من هذه الظاهرة، التي تغتال الطفولة وأحلامها. وتأتي القوانين لتُبقي المجالَ مفتوحاً أمام مزيدٍ من الانتهاكات. فإلى جانب الجهود الهادفةِ إلى الحدّ من هذه الظاهرة، تبرز أهمية التركيز على الجانب القانونيّ، علَّ القانون يصون حقوق الأطفال بقوانين صارمةٍ تنظّم الزواج المبكر وتحدّد سنّ الزواج بـ 18.

المصدر: اندبندنت عربية

التعليقات

جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا نتحمل مسؤولية الأراء الورادة بهذه التعليقات

لا يوجد تعليقات في الوقت الحالي!

أضف تعليقك

جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا نتحمل مسؤولية الأراء الورادة بهذه التعليقات